أبي منصور الماتريدي
370
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم من الناس من احتج بجواز القرعة « 1 » والعمل بها - بهذه الآية « 2 » ؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه ، لما خرجت القرعة له ؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره ؛ لوجهين : لحق الوحي . والثاني : لظهور إعلام في نفس القرعة ؛ ما يعلم أنه كان باللّه ذلك لا بنفسه ؛ كارتفاع القلم على الماء ، ومثل ذلك لا يكون للقلم ، والمحق من المبطل ، وفيما بين سائر الخلق ؛ لدفعهم التهم ؛ فهي لا تدفع أبدا . ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك ، أو علموا ذلك بالوحي ، فليس اليوم وحي ؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم ، واللّه أعلم . أو كان ذلك آية ، والآية لا يقاس « 3 » عليها غيرها ؛ نحو : قبول قول قتيل بني إسرائيل -
--> ( 1 ) قرع يقرع : من باب قطع يقطع ، وجمع يجمع ، ومعناه : الطرق والضرب ؛ وذلك لأن إجراء القرعة كان في المعتاد يجرى بطرق السهام أو ما يشبهها وضربها ليخرج السهم الفائز منها بالقرعة ، وقد تسمى بالسهمة عند بعض الفقهاء مثل ابن رشد . ينظر : القاموس المحيط ( ص : 674 ، 675 ) ( قرع ) ، أساس البلاغة للزمخشري ( 2 / 245 ) ( قرع ) ، بداية المجتهد لابن رشد ( 2 / 267 ) . أما القرعة كدليل إثبات فقد نفاها أبو حنيفة ومالك وأخذ بها الإمام الشافعي وأحمد وابن حزم . ينظر : فتح القدير لابن الهمام ( 2 / 519 ) ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 2 / 343 ) ، الأم للشافعي ( 5 / 99 ) ، المهذب للشيرازي ( 2 / 308 ) ، كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ( 4 / 229 ) ، والمحلى لابن حزم الظاهري ( 5 / 436 - 437 ) . ( 2 ) وواضح أن هذا الاستدلال بهذه الآية المباركة قائم على مبدأ أصولي مهم ، وهو : أن شريعة من قبلنا تعتبر شريعة لنا ما لم يرد في شريعتنا ما ينسخها ، ولم يرد عندنا في الإسلام نهي صريح صحيح عن القرعة فتبقى مشروعيتها في الشرائع السابقة قائمة لدينا . وقد أشار اللّه عزّ وجل - إلى هؤلاء الرسل السابقين ، فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، ولكن هذا المبدأ الأصولي لم يسلم من مخالفة بعض العلماء له وجدالهم فيه ، لكننا نجد الدليل بل الأدلة الواضحة القوية على مشروعية الاقتراع والقرعة في صحيح السنة النبوية ، بل إن الإمام البخاري قد عقد بابا خاصّا ، بعنوان : باب القرعة في المشكلات . راجع : البخاري ( 5 / 629 - مع فتح الباري ) . ( 3 ) القياس لغة : هو التقدير والمساواة . واصطلاحا : إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت . واتفق العلماء على أن القياس حجة في الأمور الدنيوية ، واختلفوا في الشرعية ، فذهب الجمهور إلى وجوب العمل بالقياس شرعا ، وذهب الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن العقل قد دل على ذلك . وقال القاشاني والنهرواني : يجب العمل به في صورتين : إحداهما : أن تكون علة الأصل منصوصة إما بصريح اللفظ أو بالإيماء إليها . والثانية : أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل كقياس الضرب على التأفف . وأنكر داود الظاهري التعبد به شرعا ، وإن كان جائزا عقلا ، وذهب إلى أنه يستحيل التعبد -